الاقتصاد العراقي بين الايراد الريعي والاصلاحات: ما الذي تحقق من الورقة البيضاء التي تبنتها حكومة السيد الكاظمي؟

Jul 26, 2021

 

17 تموز 2021

الجلسة الاولى: 11:00 – 12:00

 

بعد الترحيب بالمتحدثين والتعريف بهم افتتح ميسر الجلسة الاستاذ ماجد ابو كلل رئيس مركز ذر للتنمية . محاور الجلسة بمقدمة قال فيها " اصدرت الحكومة الورقة البيضاء في شهر اكتوبر من العام-2020 مع خط زمني يتراوح بين  3 – 5 سنوات وكانت تتضمن محورين، المحور الأول حول تحقيق الاستقرار المالي المستدام، اما المحور الثاني فهو تحقيق اصلاحات استراتيجية وتوفير فرص عمل مستدامة" ، موجهاً السؤال الى دكتور مظهر محمد صالح "بعد مرور ثمانية اشهر من اصدار ها، ما الذي تحقق من الورقة البيضاء ؟ "

 

مجيباً على السؤال قال د.مظهر محمد صالح  المستشار المالي لرئيس الوزراء ان "الورقة التي قدمتها الحكومة ذات نوايا نبيلة وطيبة وطويلة الاجل لكنها ولدت في ظرف قاهر حيث شهد العام المنصرم ازمة مالية وصحية،  وسأركز على بند اساسي منها وهي نسبة الرواتب الى الناتج المحلي الاجمالي، حيث تهدف الورقة الى خفض نسبة الرواتب الحكومية من 25 % إلى 12.5% من قيمة الناتج المحلي الاجمالي. ولاضعكم في الصورة في العام الماضي ومع تفشي جائحة كورونا والانغلاق في الاقتصاد العالمي وهبوط اسعار النفط، باع العراق نفطه في أحد الايام بسعر ناقص ( - 3 دولار ) للبرميل الواحد، وبلغت حصة الرواتب من ايرادات العراق في حينها ،  110 % من قيمة  الايرادات النفطية وغير النفطية وبضمنها الاقتراضات " .

 

واضاف قائلاً " في سنة 2021 كان من المفترض ان تبلغ ايرادات العراق غير النفطية 30% لكنها لم تتجاوز 11% بالرغم ممن انقضاء النصف الاول من عام 2021 "

 

مبينًا أن "معضلة العراق كبيرة بوجود 4 ملايين موظف و3 ملايين متقاعد و مليون ونصف مواطن مشمولين بالرعاية الاجتماعية ....الخ، حيث تشكل حصة الموظف من الراتب ضعف حصة الفرد من الناتج المحلي الاجمالي المحلي، حيث قايضت الدولة خلال العشرين سنة الماضية الراتب بالبنى التحتية، فلا مدارس  ولا تعليم ولا صحة ولا بنى تحتية ولا طرق جيدة، حيث عملت الدولة على زيادة الرواتب واهمال البنى التحتية ... السؤال الاساسي والمنطقي في ظل كون الرواتب تشكل 60 % من الموازنة، هل من الممكن تخفيضها إلى 12.5 % من الناتج المحلي الاجمالي بدل 25% ؟ اقول لكم، لا يمكن تخفيض الرواتب، لكن بالامكان تحسين النظام الوظيفي، تحسين الدخل القومي ... الخ "

 

مبيناً " أن هناك قيد يسمى ( قيد الموازنة الصعب) ويحسب من خلال طرح الايرادات غير النفطية من مجموع الانفاق مرفوع منه الخدمات و الديون مقسوم على الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي، لينتج لدينا رقم سالب والذي كان(-45) عام 2017، في حين بلغ عام 2021 (– 65)  في وقت كان من المفرتض ان يكون (- 19)، حيث يعد تراجع خطير والذي يعني قلة الأيرادات غير النفطية وهيمنة الايرادات النفطية، وضعف في نمو الناتج المحلي الاجمالي".

 

وحول العقبات التي تواجه تنفيذ الورقة البيضاء قال د.عبدالرحمن المشهداني الاستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة العراقية إن "الورقة البيضاء يصلح أن نطلق عليها أسم (برنامج النواي الحسنة) ولا تصلح أن تكون خطة عمل لحكومة أمدها قصير، إذ يحتاج هذا البرنامج أكثر من 3 دورات، حيث إن 3 او 5 سنوات أمر مبالغ به والدليل على ذلك إنه بالرغم من مرور ثمانية اشهر من عمر الورقة لم يتم تغيير سوى سعر الصرف، كما إننا اختلفنا على نسبة انجاز البرنامج الحكومي حيث تخلو برامج الحكومة و وزارة المالية من الشفافية" .

 

مبيناً أن "هناك زيادة سنوية في مقدار الرواتب من 8 الى 10 ترليون دينار عراقي من دون تبرير ومن دون استحداث درجات وظيفية جديدة، حيث كان في تصوري ان الزيادة سببها العلاوات والترفيعات ولكن بعد تصريح وزارة المالية بمبالغ العلاوات والترفيعات السنوية الذي يعد مبلغاً صغيراً جداً قد يصل الى (8) مليار دينار عراقي، فأنا لا املك اجابة حول سبب ارتفاع تخصيصات الرواتب في الموازنة هذا أمر، اما الأمر الثاني، فإن جميع المؤسسات الاقتصادية العالمية بضمنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات التصنيف الدولي والخبراء الدوليين  قد اشاروا الى حدوث ازمة اقتصادية بحلول عام 2020، في حين ذكر في الورقة البيضاء أننا تفاجئنا بالازمة الاقتصادية. من جانب آخر تشير الاحصائيات المعلنة ان اجمالي النفقات لحد شهر تشرين الثاني من عام 2020  لم تتجاوز 75 ترليون دينار عراقي، في حين ارتفعت في شهر كانون الاول لتصل الى 111 ترلون دينار عراقي دون ان نعرف السبب" مضيفاً "إننا تفاجئنا بأن تخمين الموازنة لعام 2021 والذي بلغ (150) ترليون دينار عراقي جاء مبنياً على تخمينات عام 2020  والتي بلغت (148) ترليون دينار عراقي، في وقت كان يجب ان يبنى على ارقام واقعية وحقيقية "

 

مبيناأ أن " الورقة البيضاء تضمنت برامج طموحة ولم تقتصر على اصلاح الوضع المالي، إنما شملت الوضع الاقتصادي والقانوني، إذ تضمنت 20 قانون تحتاج الى تشريع أو تعديل، من ضمنها قانون النفط والغاز الذي لا يزال يرحل منذ أول دورة برلمانية الى الدورة التي تليها، بالإضافة لغيرها من القوانين "

 

واضاف قائلاً "يجب أن تكون هناك دراسة لسعر الصرف لقياس الاثار سواء كانت إيجابية أم سلبية لتغيير سعر الصرف، فبحسب وزارة التخطيط فإن نسبة الفقر ارتفعت إلى 31%، واشار البنك الدولي إلى  إن تغيير سعر الصرف سيؤدي الى أن يكون  هناك من (2.5) الى (5) مليون عراقي ضمن خط الفقر في وقت لا توجد معالجات فعلية لمشكلة الفقر، مؤكدًا إن من السهل تخفيض سعر الدينار العراقي مقابل الدولار لكن من الصعب العودة الي السعر السابق تدريجيًا ".

 

-وجه الاستاذ ماجد  سؤال إلى الدكتور علي نعمة حول نسبة المساهمة الفعلية للقطاع النفطي من الموازنة العامة ؟ وهل يمكن للعراق التخلص من فخ الاقتصاد الريعي؟

 

قال د.علي نعمة وهو يعمل كخبير نفطي أن "المتحقق من صادرات النفط الفعلي وصل الى 98% من القيمة  المخططة للموازنات للفترة من 2006 ولغاية 2020،  فيما  تبقى 2% واردات غير نفطية و واردات ناجمة عن بيع المنتجات النفطية، ففي حال  إذا بقي العراق في هذا الأتجاه سيبقى الأقتصاد ريعين".

 

مبيناً "إنه حتى العجز المخطط في الموازنات العراقية لم يستثمر بشكل صحيح فالهدف من العجز المخطط يجب ان يكون تحفيز القطاعات الانتاجية وتنميتها وبالتالي سيتم سداد مبلغ العجز من هذه القطاعات،  في جين إن  العجز المخطط في العراق يتم تغطيته عن طريق الاقتراض والذي يستخدم في الغالب لانشاء البنى التحتية و لإعادة الاعمار وبعيدة بالكامل عن تنشيط القطاعات الانتاجية والاقتصادية الاخرى، بالتالي فإن العجز يتراكم والديون الخارجية تتراكم، حيث تبلغ ديون العراق اكثر من (100) مليار، وستزداد الاعباء على الايرادات الناجمة من بيع النفط بمجرد البدء بسداد فوائد هذه الديون مطلع عام 2022، فالعراق لا يملك بدائل عنها، اما واردات المنافذ الحدودية و الكمارك  والضرائب فلا تزال القوانين  التي تحكم تحصيل هذه الايرادات ضعيفة جداً  "

 

وحول البرنامج الحكومي قال "نعمة" مشكلة العراق وأغلبية دول العالم الثالث وضع الخطط من دون تنفيذها حيث لاحظنا اكثر من خطة خمسية او خطة استراتيجية واكثر من برنامج حكومي، عندما نحاول مطابقة البرنامج الحكومي مع الخطة الخمسية لنفس الوقت نجد عدم تطابق بينهما فالبرنامج الحكومي في اتجاه والخطة في اتجاه آخر، والبرنامج الحكومي نفسه ينفذ في اتجاه آخر  فبالتالي اتجاهات مختلفة وغير متناسقة ينتج عنها هدر كبير من المال العام بالتالي نبقى معتمدين على الاقتصاد الريعي وعدم تنشيط القطاعات الاخرى. مضيفاً أن "عناصر الإنتاج المحلي  متوفرة بشكل كبير في العراق يمكن أن تستثمر بخطة حقيقة مدروسة بشكل يتناسب مع الحاجة المحلية وهذا يتحقق بفترة من 5 الى 10 سنوات لمغادرة ريعية الاقتصاد، بمعنى أن الحكومة يجب أن تخضع لمتابعة دورية وفصلية وتحديد الإنحرافات وإعادتها إلى المسار الصحيح، أما في الوضع الحالي الأمر صعب و لا يتناسب مع المدى الزمني والأمكانات الموجودة حاليًا هناك تضخم وظيفي وأسعار نفط منهارة ولا يجب طرح حلول تكبل الاقتصاد" .

 

واجاب دكتور مظهر حول سؤال  توجه به الاستاذ ماجد ابو كلل عن أثار تغيير سعر الصرف ومدى مساهمته في اصلاح الاقتصاد العراقي، قائلاً "ان تغيير سعر الصرف بهدف تحسين الانتاج هو بدعة مشكوك بها، فالهدف من التغيير هو مالي بحت، فبعد القرارات الحكومية والبرلمانية التي صدرت بإعادة اكثر من 400 الف شخص للوظيفة كان من الضروري توفير التغطية المالية لرواتبهم، في وقت اشارت الورقة البيضاء على ضرورة أن لاتزيد نسبة الرواتب عن 25 % من الناتج المحلي الاجمالي، لذلك فإن تغيير سعر الصرف ساهم بتوفير اكثر من (12 ) ترليون دينار عراقي و بالتالي تمت تغطية رواتبهم". واضاف قائلاً "بالتالي لم يتم فرض ضريبة مالية ولكن تم فرض ضريبة تضخمية ومن أثارها هو زيادة اسعار البضائع المستوردة بما يعادل 23 % من قيمتها، اما الخدمات  الحكومية فان اسعارها بقية ثابتة، بالتالي فإن متوسط الزيادة في الاسعار تتراوح بين 5 – 6 %  " .

 

فيما أشار المشهداني الى  الاهداف التي كانت الحكومة تسعى لها من خلال تغيير سعر الصرف قائلاً  "إن الهدف الأول كان منع خروج الدولار خارج العراق، حيث كان يتم بيع (175) مليون دولار يومياًعن طريق مزاد بيع العملة، أما الأن فسيتم بيع ما يصل إلى (240 ) مليون دولار يومياً ، اما الهدف الثاني فهو مالي يتمثل في توفير (12) ترليون دينار، لكن هذا غير صحيح فهناك مشتريات للحكومة العراقية بالدولار وتبلغ قيمتها (28 ) مليار دولار  لتجهيز اسلحة ومعدات عسكرية لوزارتي الدفاع والداخلية و الاموال التي يتم دفعها للشركات النفطية، وعند حسابي للمبالغ الفعلية التي سيوفرها تغيير سعر الصرف فإنها تتراوح بين (6-8) ترليون دينار عراقي، اما الهدف الثالث فهو دعم الزراعة و الصناعة، في وقت تشكل  مساهمة الزراعة 1.5% من قيمة الناتج المحلي الاجمالي ، في حين بلغت مساهمة الصناعة 2.5 %، فلا يمكن الاعتماد على هذه القطاعات لسد الاحتياج المحلي"

 

ويضيف المشهداني فائلاً  "لدينا سوء إدارة وتخطيط للصناعة والزراعة بالرغم من ان العراق لديه قدرات تصنيعية كان يمكن الاستفادة منها، لكن المواطن العراقي نسي كلمة صنع في العراق والمنتج الوطني وأعتمد على الاستيراد وتحول جميع اصحاب الحرف إلى تجار، بسبب المصانع المتوقفة منذ 20 سنة وكل ما تحتاجه هو التطور لكي تستطيع ان تنافس المنتجات المستوردة".

 

وحول ما يشهده العالم من تحول في استخام الطاقة النظيفة قال الاستاذ علي نعمة ان "هناك تحول في الاستخدام الطاقوي لدى الدول المتقدمة، مع ذلك فالبرغم من الانخفاض المتوقع لنسبة استخدام النفط والغاز عالمياً، لكن الكمية سوف تزيد وسيبقى هناك طلب على النفط والغاز لما بعدعام 2050 لكن قد تتغير الاسواق وتتغير الدولة المستوردة لها، وللحديث حول امكانية العراق للتحول الطاقوي لابد من الإشارة إلى أن الدول التي تتحول لديها اسس لبناء هذا التحول، فضلاً عن الامكانيات لذلك، فمثلاً يشكل قطاع النقل 50% من الطلب على الطاقة في العالم، وبعد عام 2035 هناك العديد من الدول ستقوم باستخدام الكهرباء لإدارة هذا القطاع في وقت لا يستيطع العراق توفير حاجته من الطاقة الكهربائية حتى الحلول البديلة لتوفير الكهرباء عن طريق المياه او الرياح غير متوفرة في العراق فلا يبقى لدينا غير الاعتماد على الطاقة الشمسية و الطاقة النووية، وبخصوص الطاقة الشمسية تم توقيع عقد مع شركة اماراتية، لكن في اسحن الاحوال فإنها لن تغطي سوى 5 -10% من الاحتياج للطاقة الكهربائية، لذا لابد من التركيز على تحويل محطاتنا إلى محطات غازية  ".

 

حول دور شركة النفط الوطنية في الاصلاح الاقتصادي تحدث "نعمة" قائلاً "الأثر الإيجابي لوجود شركة نفط وطنية هو تحقيق التكامل في الإدارة والمركزية لتفعيل قطاع النفط بشكل اكبر، كل شركة خارج العراق مثل ارامكو لديها أستقلال وأستثمار في الخارج من إيراداتها وكميات التصدير بهدف زيادة الربحية والإيرادات والمناورة وقت إنخفاض الطلب، والعراق في الوقت الحالي لديه قوانين تكبل هذا الموضوع هناك شراكات تعزز الإيرادات، لكن مع خسائر كبيرة تلحق العراق حاليا بسبب عدم وجود شركة النفط الوطنية التي ستمنع التدخل السياسي في استثمار النفط وتحد من تقاطعات القوانين و التعليمات التي تؤدي الى الحد من ايرادات العراق " .